سينما

الرقيب نجيب محفوظ : منع الأعمال الفنية مثل الطلاق «أبغض الحلال»!


  هشام يحيى
9/1/2018 11:06:30 AM



قبل أن يدخل (الأستاذ) مكتبه في الرقابة، بشهادة كل من عاصروه واقتربوا منه، وكانوا من الدائرة المحيطة به، أنهى علاقته مؤقتًا بكتابة السيناريو للأفلام، تفاديًا لشبهة التربح من منصبه، وتبادل المصالح مع شركات الإنتاج، رغم إن هذا القرار تسبب له في خسائر مادية كبيرة، بعد أن كان الأعلى أجرًا في كتابة السيناريو، والأكثر طلبًا من المخرجين والمنتجين، ولم يكتف بهذا توقف عن بيع رواياته للسينما.

أذكر إنني سمعته في برنامج تليفزيوني مع الإعلامي طارق حبيب.. مدافعًا عن مرحلة تواجده في الرقابة قائلًا: "يحق للفنان أن يقول ما يشاء ويعبر عن نفسه بالأسلوب الذى يراه مناسبا، بشرط عدم الدخول فى مشاكل دينية قد تؤدى إلى الفتنة الطائفية، ثم المحافظة على الآداب العامة وقيم المجتمع وتقاليده فى حدود المعقول، وهذا هو مفهومي للرقابة كما فهمتها ليست فنية ولا تتعرض للفن أو قيمته ووظيفتها ببساطة هى أن تحمى سياسة الدولة العليا".


وعن منهجه في التعامل مع النصوص الفنية التي تعرض على الرقابة.. حكى قائلًا: "وضعت سياسة بين الرقباء من أول يوم بدأت عملي، أى ملاحظات فى السيناريوهات المقدمة لنا يمكن حلها بالمناقشة والحوار، مع الأخذ فى الاعتبار أن الأصل فى الفن هو «الإباحة» أما «المنع» فهو مثل الطلاق أى أبغض الحلال".

ورغم هذا المنهج المتفتح مع الرقابة، لم يسلم من المضايقات والشكاوى الكيدية، ولم ينقذه إلا مساندة وزير الثقافة د. ثروت عكاشة له، حتى عندما كان الوزير أمام الضغوط التي يتعرض لها يضطر إلى تشكيل لجنة لدراسة الشكوى، كانت اللجان تنحاز له في النهاية.

ومن الطرائف الرقابية في مشوار الرقيب نجيب محفوظ هذه الواقعة التي رواها للكاتب رجاء النقاش الذي حظى بشرف تدوين مذكرات أديب نوبل "عندما ظهرت الأغنية التى تقول كلماتها: «يا مصطفى يا مصطفى أنا بحبك يا مصطفى، سبع سنين فى العطارين» إلخ، فوجئت بمراقب الأغانى يصدر قرارا بمنعها، وكانت الأغنية تذاع فى الراديو ويغنيها الناس فى الشوارع، ولما سألته عن سبب قراره، أعطانى أغرب إجابة يمكن أن أسمعها فى حياتى إذ قال لى: "إن مؤلف الأغنية يقصد «مصطفى النحاس» زعيم الوفد التاريخى، وإن سبع سنين تشير إلى مرور سبع سنوات على قيام ثورة يوليو 1952".


وحسب حكاية منشورة للناقد الكبير كمال رمزي من المواقف الرقابية التي تصرف فيها نجيب محفوظ بذكاء شديد مع صديقه المُخرج توفيق صالح، كان عامل فيلم اسمه (القُلة) عن صناعة القلل؛ في الأمثال الشعبية، وإزاي بيعجنوها، ورقصة القُلة، وفي أحد المشاهد كان هُناك سيدة ترقص وبين ساقيها قُلة، كان فيه لجنة رقابية بتتفرج على الفيلم، ومن بينهم نجيب محفوظ، وأقرت اللجنة حذف المشهد".

عاتبَ بعدها توفيق، صديقه نجيب قائلاً: "إيه يا نجيب الفيلم بتاع صديقك تحذف منه مشهد؟"، فردّ الأخير بضحكته المُجلجة: "يا أخي اللجنة معاها حق، راحت فين القلة اللي خفتها؟".

ومن الوثائق الرقابية التي تم تداولها بعد أن ترك نجيب محفوظ الرقابة سيناريو فيلم (البنات والصيف)، يحمل خاتم الرقابة وقتها بعبارة: «ترخيص رقابة رقم 752، بتاريخ 1959/12/13»، حاملاً العديد من الملاحظات الرقابية لإجازة تصويره، منها عبارات أن تراعي الحشمة والآداب العامّة في الصفحات التالية، وأن تحذف الجمل والمشاهد في الصفحات الآتية، وأن تكون المعالجة السينمائية على مستوى فنّي مقبول حتى يجوز عليه حقّ التصدير إلى الخارج، وأن تراعى عدم الإثارة الجنسية وإلا قُصِر عرضه على الكبار فقط، وعلى أن يعرض الفيلم بعد الانتهاء من تصويره على إدارة الرقابة على الأفلام، وللرقابة الحقّ في حذف ما تراه مخالفاً للقانون أو للآداب العامّة، وعلى أن تُقَدَّم الأغاني لإدارة الرقابة إن وجدت.

وبمراجعة الملاحظات الرقابية على سيناريو الفيلم، نجد أنها تبلغ نحو 13 ملاحظة رقابية، منها مشاهد فتيات بلباس البحر، على الشاطئ بالإسكندرية، ومشاهد أخرى لبطل الفيلم الفنان حسين رياض ناظراً إلى سيقان الخادمة نظرات شهوانية، إضافة إلى حذف جملة «يا مجرمة يابنت الكلب، هسلمك للبوليس»، على لسان بطل الفيلم موجِّهاً حديثه للخادمة.

وبحسب حوارات صحافية سابقة للكاتب الراحل، إحسان عبد القدوس، شهد فيلم«البنات والصيف»  تدخُّلات رقابية عدّة في القصة، وقامت الرقابة بتعديل نهاية القصة الأولى من الفيلم، بانتحار البطلة مريم فخر الدين، عقاباً لها على خيانتها لزوجها في الفيلم، عكس مجريات القصة الحقيقية للفيلم والرواية أيضاً.

وفي هذا الموقف الرقابي تحديدًا يكشف نجيب محفوظ عن بعد آخر في شخصيته وهو الحس السياسي، الذي اختفى كثيرًا بسبب رغبته في عدم التورط في إبداء أي رأي سياسي من خلال مقالاته:.. "اختلفت مع مدير الرقابة على الأفلام لأنه سمح بعرض فيلم سينمائى أجنبى يسىء إلى اليابان، وكنت أرى ضرورة منعه من العرض، فاليابان فى ذلك الوقت كانت بمثابة دولة صديقة، وقفت إلى جانب مصر والرئيس "عبدالناصر" وكان لها موقف شجاع في مواجهة أمريكا، مما جعل له موقعًا متميزًا على خريطة السياسة المصرية، في اليوم الأول للعرض - بعد حفلة العاشرة صباحا فى دور السينما، كان السفير اليابانى فى مكتب «عبدالناصر» لتقديم احتجاج على عرض الفيلم، مما سبب أزمة كبيرة دفعت الرئيس عبد الناصر إلى إصدار أوامر وتعليمات برفع الفيلم فورا من دور العرض، وبالفعل لم يعرض فى حفلة الثالثة من بعد الظهر فى نفس اليوم، وحدث ارتباك، خاصة أن الجماهير حصلت على تذاكر مما اضطر السينمات إلى رد ثمن التذاكر وإلغاء العرض.


ونعود لصفحات رجاء النقاش يحكي نجيب محفوظ عن قراراته الرقابية قائلًا: "فى أحد أفلام المخرج الراحل "عز الدين ذو الفقار"، رأيت حذف بعض الأغانى لأن المطربة "صباح" تؤديها بطريقة مثيرة، وألحان عبدالوهاب لهذه الأغانى كان فيها إثارة جنسية فاضحة، ولأن "عز الدين ذو الفقار" استصدر قراراً بتشكيل لجنة للفصل فى أمر تلك الأغانى، وأيدتنى اللجنة فى موقفى بإجماع الآراء، وأقرت ضرورة حذف هذه الأغانى!".

ومن الحكايات المتداولة بين أصدقاء نجيب محفوظ والمخرج صلاح أبو سيف، إن بعد تولي محفوظ الرقابة، ذهب إليه ابوسيف حاملًا نصا كان قد تعرض للرفض الرقابي قبل أن يتولى محفوظ الرقابة، معتمدًا على الصداقة التي تجمعهما والتعاون الفني الطويل وإن صلاح ابوسيف هو أول من علمه كتابة السيناريو، ولكنه فوجئ أن صديقه رفض أن يتجاوز تعليمات الرقيب الذي كان قبله، وهذه الواقعة سببت بينهما ازمة عابرة، وإن سبب خروج نجيب محفوظ من الرقابة الأزمة التي أثيرت بعد رواية (أولاد حارتنا) وتعرض الوزير ثروت عكاشة لهجوم عنيف من خصومه، إنه أتى بشخص مطعون في عقيدته ليتولى منصب الرقيب، وحسب وصف نجيب محفوظ نفسه في مذكراته كان الموقف اشبه بمسرحية هزلية تعرض لها؛ لدرجة تم تصدير شائعة في هذا التوقيت الذي تتعرض فيه "أولاد حارتنا" للهجوم والمحاكمة: "إنني سمحت بعرضها على المسرح القومي، وهذا لم يحدث، المسرحية التي كانت تعرض كانت "بداية ونهاية".

ورغم هذا بعد خروج (الأستاذ) من الرقابة.. حسب كلامه مع الكاتب رجاء النقاش: "عَقِب تَركي لعملي بالرقابة، ورئاستي لمؤسَّسة دعم السينما، حاولت تقديم أكبر دعم للأفلام الرفيعة المستوى، وفي فترة رئاستي أنتجت عدداً من الأعمال الجيدة على رأسها فيلم «المومياء»- ضمن أهمّ 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية- للمخرج شادي عبد السلام، الذي ماكان ليرى النور لولا دعم مؤسَّسة السينما له، وإلى جانبه قَدَّمنا عدداً من الأفلام السينمائية المتميِّزة، منها "الأيدي الناعمة"و"الناصر صلاح الدين".

عدد المشاهدات 297

الكلمات المتعلقة :

اخبار النجوم ذكرى منع نجيب محفوظ الأعمال الفنية الرقيب حكايات